أحمد عبد الباقي

92

سامرا

بأن القرآن مخلوق . وان يطلب إليهم ان يمتحنوا من يحضر مجالسهم للشهادة ، وان لا يقبلوا شهادة من لم يقر بذلك . فدعا إسحاق بقضاة بغداد وفقهائها وينوف عددهم على العشرين « 7 » ، فمنهم من أجاب ومنهم من امتنع ومنهم من راوغ في جوابه . فكتب إسحاق بجواب كل منهم إلى الخليفة المأمون . فكتب الخليفة إلى إسحاق كتابا ثالثا « 8 » . وفيه رد المأمون على من لم يجب . وابرز عيوبهم والماخذ عليهم وطلب إلى إسحاق أن يعاود امتحانهم ، ومن لم يرجع منهم عن شركه ، يشخصهم موثقين إلى أمير المؤمنين ليرى فيهم رأيه . وقد انفذ الخليفة هذا الكتاب في خريطة بندارية - أي بالبريد المستعجل - فأجاب القوم كلهم عدا أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح ، فقيدا بالحديد ووجها إلى طرسوس . الا ان المأمون كان قد مات قبل وصولهما اليه ، فاعيدا إلى مدينة السلام . وكان صاحب الخبر قد أبلغ المأمون ان بشر بن الوليد ، وهو أحد الفقهاء الذين أقروا بخلق القرآن ، قد تأول الآية الكريمة « إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ » « 9 » . أي انه أقر بخلق القرآن تقية خوفا من البطش به . فكتب المأمون إلى إسحاق بأنهم أخطأوا تأويل الآية الكريمة ، وانما عنى اللّه تعالى بها من كان معتقد الايمان مظهر الشرك ، فليست هذه لهم . وطلب اليه ان يشخصهم جميعا إلى طرسوس ، فاشخصهم اليه . فلما وصلوا الرقة بلغتهم وفاة المأمون ، فأعادهم وإليها عنبسة بن إسحاق إلى مدينة السلام . ويبدو ان المأمون كان يستهدف من اظهار مذهب الاعتزال ان يضعف نفوذ الفقهاء وسلطانهم على عامة الناس .

--> ( 7 ) أورد الطبري أسمائهم في 8 / 637 . ( 8 ) نص الكتاب في الطبري 8 / 640 - 644 . ( 9 ) سورة النحل ، الآية : 160 .